لو وصفت لك مدينةً تقتل وجهتها الترفيهيّة الأولى ما يقارب خمسةً وعشرين شخصاً سنوياً، بل في 2024 وفي شهرٍ واحد فقط وصل عدد الضحايا خمسون شخصاً، ربما يخطر في بالك إحدى تلك المدن الخياليّة من الأساطير والروايات التي يقدمون فيها الأهالي القرابين.
حسناً، ماذا لو أكملت الوصف وأخبرتك أن تلك المدينة في عدة أشهر كانت تتجاوز درجات الحرارة فيها الخمسين وأن المقبرة فيها أقرب للمشفى من بيوت الناس، ورغم وجود أطول نهرٍ في دولتهم، كان أهالي المدينة يعتمدون على صهاريج الماء الحلو للشرب، وكان انقطاع الماء عنهم جزءاً من روتينهم اليومي، ولو أكملت لك عن العواصف الغباريّة التي كانت تغرقهم -حرفياً- بالتراب، وتقطع الكهرباء، وتؤدي لمئات حالات الاختناق، ورغم هذا الحال المستمر منذ عشرات السنين، لا يوجد فيها خدمات صحيّة كافية لمواجهة كل ما سبق.
ماذا لو عرفت أيضاً أن هذا النهر الذي سبق ذكره والذي يمجّده الأهالي سبق وأن أكل عشرات المدن والقرى، قتل الآلاف على مرٍّ السنين، وما زالوا يرونه الأجمل؟
كلما استمرّيتُ بالوصف ستتأكد أكثر وأكثر إمّا أنها مدينة خياليّة من الكتب، أو إحدى المدن التي تمرُّ عادةً بالكتب المقدسة والتي يَصبُّ عليها الله غضبه لرفضهم رسالة رسولٍ من رسله.
عزيزي القارئ، كل معلومةٍ ذكرتها فيما سبق هي حقائق وليست رأي، ويمكنك البحث والتمحيص وتأكيد ذلك، أما بالنسبة لي لم تكن مجرد حقائق، بل كانت وقائع شهدتها على مدار ما يقارب العشرين عاماً، أو في هذا السياق يصح قول عشرين سنة، لم يكن فيها ولا عامٌ واحدٌ.
أخبرني والدي وهو أحد المرضى بحب تلك المدينة -بصراحة لم أجد مصطلحاً ألطف، وللأسف قد ورّث وهم جمال تلك المدينة لأخي الأكبر- قال “أنت مميّز يا ولدي”، وأظن أن هذا ما يخبره جميع الآباء لأبنائهم في تلك البلاد بشكلٍ عام، كما أظن أن الأمهات قد ظُلِموا بمقولة “القرد بعين أمه غزال” إذ يرى الآباء أبناءهم أسوداً، أعتى الرجال، حاملو الراية، رايةٌ لا يعرف الأبناء شكلها ربما من تأثر العجاج -العواصف الغباريّة- ولكنهم حملوها، يرثوها عن الآباء، مع الهموم والديون والأقرباء وغيرها من الأمور التي تندرج تحت بند الظروف القهريّة، أو الطبيعية في حالة أنك وُلِدتَ في بلادنا.
وبصراحة خرجت من تلك البلاد قبل أن أعرف معنى التميّز، ولكن أظن أننا بشكلٍ أو بآخر جميعاً كنا مميزون في بلادنا، جميعنا لدينا ذات الصدمة النفسيّة الجمعيّة، تشاركنا تحيّة العلم، ودروس العسكريّة، والخوف من اقتحام إسرائيل لو أصاب القائد شرّاً، ورثنا ذات الرئيس الذي خَلَف والده -ملعون الروح-، لبسنا ذات الفولار والجلدة، أو بدلةً زرقاء أو فضيّة قررت حينها زوجة الرئيس التي ورثناها معه أنها أجمل من البدلات العسكريّة والصدريّة، علها تخفي بشكلٍ أفضل وجوه أبناء النزلاء في السجن الكبير الذي أسميناه زوراً، وطن.
جميعنا كانت علامتنا جيّدة في مدارسنا، ولدينا جلاءٌ مدرسي يصفنا بأجمل الصفات، يخبرنا أن كل شيءٍ سيكون بخير، وأن جميع من حصل على العشرة أو التسعة سيكون طبيباً أو مهندساً، يمكنك حتى أن تصبح إلهاً لو أردت، فقط ابتعد عن السياسة أو تمنّيك لأي منصبٍ حكومي.
حتى من لم تكن علاماته جيّدة لا تقلقوا عليه، سينجح في حالة رسوبه ٣ سنواتٍ متتاليّة، يكون قد حان دوره بحسب قانون دولتنا المدرسي، حيث يأتي النجاح في بلادنا على الدور إن لم تحصل عليه بمجهودك، وأتحدث هنا عن النجاح من وجهة نظر الدولة، ولن أكثر عليكم، الشعب أيضاً.
يقول المثل “من عاشر قوماً أربعين يوماً صار منهم”، وعليه يمكنك أن تتخيّل شعباً تم ترويضه لأكثر من أربعين عاماً.
من الممكن أن تتشارك مدينتي التي تحدثت عنها فيما سبق مع معظم مدن سوريّة، إن لم تكن جميعها، ومن الممكن مع مدنٍ عربيّة أخرى أيضاً، ولكنني لست في سياق تعميم كلامي، بل أحاول ذكر تجربةٍ شخصيّةٍ بحتة، ولذلك لم أذكر إلا ما شهدته في مدينةٍ ولدتُ وتواجدت بها -من الصعب قول أنني عشت فيها، العيش وصفٌ كبير لا أستطيع ذكره بنفس السياق مع مدينتي- لما يقارب العشرين سنة، يحبها والدي ابن هذه المدينة، تحبها أمي التي جاءت لها من مدينة أخرى، يحبها أخي محمد كما لو أنها أجمل مدن الأرض، لم أعتد أن أقول رأي أغيد، لذلك أتركه له بكل صراحة، أما أرشد -ولله الحمد٠ ليس له فيها أي ذكريات.
أما زوجتي تراها كشجرة التفاح التي أكل منها آدم، لا تعرف من وصفي لها إلا أنها نفت آدم من جنان الخُلد إلى الأرض، ولا تعرف من وصف والديَّ ومحمد إلّا أنها جزءٌ من جنان الخلد، ولا أنوي أن تقتصر معرفتها على أكثر من ذلك، خصوصاً بعد أن رأيت بيروت التي أتت منها.
لا أتذكر من البوكمال إلا القليل، أو ربما قرّر عقلي عدم تخصيص إلا جزء قليل من ذاكرتي لتلك المدينة، ولم يكن هذا القرار جديداً، كلُّ من عرفني من تلك الأيام، عرف أنني كنت نادر الخروج من المنزل، قرارٌ آتى مبكراً، لا تستحق شوارع هذه المدينة أن تكون جزءاً من الذاكرة، لذلك قررت عدم المشي فيها، قررت عدم حفظ طرقاتها أو التجوّل في أحيائها، يكفيني ذاكرتي عن جدران منزلنا، وأرى الآن أنه كان القرار الأنسب إذ فقدنا منزلنا بقصفٍ لنظام الأسد، لذلك تنفع بعض تلك الذكريات أحياناً.
عندما خرجت قرّرت قطع كل علاقاتي هناك، وبصراحة لم أخرج بمعنى الخروج، إذ كانت آخر محطةٍ لي قبل اعتقالٍ دام أشهر، قرّرت بعده ألّا أعود لتلك المدينة، أبقيت على تواصلٍ مع صديقين اثنين من هناك -ما زلت أفكّر أن العدد كبير مقارنةً بتلك المدينة! صديقين!- وعلى أهلي، وللتوضيح المكرر، لا أهل غير الأخوة والأبوين.
أيضاً قمتُ بتغيير كنيتي بمجرد الخروج منها، حاولت البدء بصفحةٍ جديدة، ولكن ما نفع الصفحات الجديدة في كتابٍ سبق أن تمزّق؟.
حاولت أن أنساها، أتوقف عن التفكير بكل تلك السنوات، إذ أن حتى مشاعر الكره تندرج تحت بند المشاعر، ترهقنا، تأخذ حيّزاً كبيراً منّا، وتستنزف طاقتنا، حاولت، حتى كففت عن المحاولة، ربما لو مرّ على كرهي لها عشرون سنةٍ، تتوازن حينها الكفّة، يكفيني هذا الأمل.
توقفت عن الحديث مع أهلي لسنوات، جميع الأسباب كانت إما ذكريات نتذكرها بشكلٍ مختلف سبق وأن حدثت في تلك المدينة، أو لأشخاصٍ ارتبطوا بها، بعد سنوات استطعت التصالح مع نفسي وعدنا للتحدث مرّة أخرى.
حاولت مراراً العودة لأصل المشكلة، تتشارك جميع المشاكل في تلك الذكريات فقط بمكان حدوثها، بعضها عالقٌ أكثر من غيره، مثلاً، سبق وأن ذكرت لكم كيف كان يرى والدي أنّني مميز صحيح؟ حاولت مرّةً إثبات ذلك، شرحت لمعلّمة الرياضيات أنها حلّت المسألة بطريقة خاطئة، وأخبرتها بالحل الصحيح، ورغم تأكيد كلامي من معلمي الرياضيات الذين يتواجدون في المدرسة، قرّرت والدتي -والتي كانت أمينة المكتبة في مدرستي حينها- أنني على خطأ ويجب أن أعتذر للمعلّمة، من وجهة نظر والدتي لم تكن مخطئة، هي تصرفت بناءً على ما رأته أنه الصحيح في المجتمع المتواجد في تلك المدينة، بالنسبة لي انتظرت أن تكون تلك اللحظة لحظة فخرٍ لوالدي، اعتذرت حينها من المعلمة -ولا أستطيع تسميته اعتذاراً، إذ لم يكن هناك خطأ منّي-، مرَّ على ذلك الموقف حوالي ٢٥ سنة، اجتهدت بعدها كثيراً، ولكن كل كلمات التشجيع والفخر لم تعد كافية بعدها، جميع تلك الكلمات لم تكن في ذلك الموقف، يتحدث أحدهم أنّ هناك شخصاً في حياتك، انتظرت منه تشجيعاً في موقفٍ ما، لم يشجعك فيه حينها، سوف تقوم بعدها بكل ما أوتيت من قوّة، ويأتيك ذات التشجيع من شخص أو عشرة أو مئة، وحتى لو وصلت للمليون، ولن تعوّض ذلك التشجيع، نمت ليلتها كما يقولون “لا أخذولي حقّي ولا تراضيت”.
بعد تلك “النومة” فززت شاباً، أخبروني أنه يمكنك أن تذهب للفرات إذا أردت أن ترتاح قليلاً، وهنا أوقفني أمران، الأول، إذا كان الناس يخرجون من منازلهم لكي يرتاحوا هناك، لهذه الدرجة مُتعبةً منازلهم؟، أما الأمر الأهم، الفرات نفسه الذي يأخذ منهم القرابين؟ هو النهر نفسه الذي يقدمون له أرواح خمسةً وعشرين شاباً كل سنة؟.
كما أنّني ليس لدي أي قصّة حبِّ في البوكمال، لا فتاة في الابتدائيّة، ولا طيش مراهقة الإعدادي أو الثانوي، ولا حتى ما بعدها، لا ابنة جيرانٍ لهف لها القلب، ولا عابرة طريقٍ أحببتها من النظرة الأولى، ولا أيّ قصّةٍ عشتها أو حتى مرّت مرور الكرام.
اليوم، أظن أنّني تخطيت المشاكل الكبرى من تلك المدينة، أهمها أن علاقتي مع أهلي جيدة، بدأت أتفهّم الكثير من قراراتهم في ظروف تلك المدينة وذلك المجتمع في حينها، أحب أخوتي خصوصاً أنّني استطعت جمع ذكرياتٍ معهم خارج أسوار ذلك السجن الكبير تكفيني لدفن ذكرياتنا هناك، وزوجةٌ -ولله الحمد- لا تشترك مع تلك المدينة بأي شيء، ولا تربطها بتلك البقعة الجغرافية أي رابطة.
كان هذا النص جزءاً من نصٍّ أطول، يبلغ طوله 7305 أيام، كان الفرح فيها استراحات محارب، كانت السعادة فيها فواصل زمنيّة، الشاذ عن القاعدة المألوفة، نصّاً أؤمن أن مشاعره مشتركة مع ملايين آخرين كانت مدنهم لعنةً عليهم، نصّاً نحتاج أن نعيش عمراً أو ربما عمرين آخرين نتحدث فيها عن مآسينا في تلك البقع الجغرافيّة، نواسي بعضنا، نخفف عن بعضنا، على قدر التحمّل، على قدر نجاتنا، إن استطعنا اعتبار أنفسنا قد نجونا.
أما لماذا سأنهي حديثي هنا، منذ سنوات يبقى في رأسي بيت دارمي يواسيني يقول:
“وادم تنخى سادة وترجع بخير، بس أنتِ يا روحي يريدلچ رب
و نبي حنيّن عراقي يسامر وياچ، مو مالة نقضّي الليل نثغب”